محمد متولي الشعراوي

4011

تفسير الشعراوى

اليهود والنصارى ، وفي هذا القول ما يعنى أن أذهانهم مستعدة لتقبل الإيمان ، وقد قطع اللّه عليهم كل عذر فجاء لهم بالقرآن ، ويقول الحق : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها . . ( 157 ) [ سورة الأنعام ] و « صدف » من الأفعال التي تستعمل متعدية وتستعمل لازمة ، ومعنى « لازمة » أنها تكتفى بالفاعل ولا تتطلب مفعولا ، فمثلا إذا قيل لك : جلس فلان . تفهم أن فلانا قد جلس ويتم لك المعنى ولا تتطلب شيئا آخر . لكنك إن قيل لك : ضرب زيد ، فلا بد أنك تنتظر من محدثك أن يبين لك من الذي ضرب ، أي أنك جئت بفعل يطلب شيئا بعد الفاعل ليقع عليه الفعل . وهذا اسمه فعل « متعد » أي يتعدى به الفاعل إلى مفعول به . و « صدف » فيها الخاصتان . وجاء الحق بهذه الصيغة المحتملة لأن تكون لازمة وأن تكون متعدية ليصيب الأسلوب غرضين ؛ الغرض الأول : أن تكون « صدف » بمعنى انصرف وأعرض فكانت لازمة أي ضل في ذاته ، والأمر الثاني : أن تكون صدف متعدية فهي تدل على أنه يصرف غيره عن الإيمان ، أي يضل غيره ، ويقع عليه الوزر ؛ لضلال نفسه أولا ثم عليه وزر من أضل ثانيا ، ولذلك جاء سبحانه باللفظ الذي يصلح للاثنتين « صَدَفَ عَنْها » أي انصرف ، ضلالا لنفسه ، وصدف غيره أي جعل غيره يصدف ويعرض فأضل غيره ، وبذلك يعذبه اللّه عذابين ، فيقول سبحانه : . . سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ( 157 ) [ سورة الأنعام ] فكأن المسألة يرتكبها : الذين صدفوا أنفسهم ، وصرفوها عن الإيمان ، ويصدفون كل من يحاول أن يؤمن . وهؤلاء هم القوم الذين أعرضوا وانصرفوا عن منهج الهدى ، أو تغالوا في ذلك فصرفوا غيرهم عن منهج الهدى ، ولو أنهم استقرأوا الوجود الذي يعايشونه لوجدوا الموت يختطف كل يوم قوما على غير طريقة رتيبة ، فلا السن يحكم ويحدد وقت وزمن انقضاء الأجل ، ولا الأسباب تحكمه ،